الطبراني
402
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ؛ أي يكن أمركم عليكم ظاهرا منكشفا لا يستره شيء . والغمّة مأخوذة من الغمامة ، ويقال : الغمّة الغمّ ؛ أي لا يكون أمركم غمّا عليكم وفرّجوا عن أنفسكم ، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ( 71 ) ؛ أي امضوا بما تقصدون من القتل ولا تمهلون . قال الزجّاج : ( الواو في قوله ( وَشُرَكاءَكُمْ ) بمعنى مع ) « 1 » والمعنى فاجمعوا أمركم مع شركائكم ثم لا يكون أمركم عليكم مبهما ، يعني ليكن أمركم ظاهرا منكشفا لا تسترون معاداتي ، ثمّ امضوا إليّ بمكروهكم وما توعدونني به . معنى قضاء الشيء امضاؤه والفراغ منه ، وهذا أحد معجزات نوح عليه السّلام ؛ لأنه كان وحيدا ، وقد قرعهم بالعجز عن الوصول اليه وإلى قتله ، فلم يقدروا عليه بسوء . قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ؛ معناه : فإن أعرضتم عن الإيمان بما جئتكم به لم يضرّني إعراضكم ، فإنّي لا أطلب منكم أجرا ولا أدعوكم إلى الإيمان لمطمع مني في مالكم ، وما دعاني فيما أدعوكم عليه إلا الإيمان باللّه ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ ؛ أي وقد أمرني ، أَنْ أَكُونَ مِنَ ؛ أي مع ؛ الْمُسْلِمِينَ ( 72 ) ؛ على دينهم . قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ؛ أي فنجّيناه ومن معه من المؤمنين من الغرق في السفينة ، وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ ؛ أي جعل اللّه الذين نجوا مع نوح عليه السّلام من الغرق خلفا ومكانا في الأرض من قوم أهلكوا بالتكذيب ، كما قال تعالى وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ « 2 » وذلك أنّ الناس كانوا من ذرّيته بعد الغرق ، وهلك أهل الأرض جميعا بتكذيبهم لنوح . قوله تعالى : وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ؛ أي بدلالتها حسّا ، فَانْظُرْ ؛ يا محمّد ، كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) ؛ أي كيف صار آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا ، وهذا تهديد لقوم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن تكذيبه
--> ( 1 ) قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه : ج 3 ص 23 . ( 2 ) الصافات / 77 .